ابن أبي أصيبعة

35

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

المبحث الثالث عصر الترجمة تمهيد : كانت الترجمة إحدى البدايات الحقيقة لمعرفة المسلمين علوم الأوائل . . ويقال أن حركة الترجمة والنقل من اليونانية والسوريانية إلى العربية ظهرت بدايتها في عصر الدولة الأموية على يد خالد بن يزيد بن معاوية ( ت 85 ه ) الذي كان مهتما بالكيمياء فاستخدم من يترجم له كتب الكيمياء . وكانت البداية وئيدة بطيئة ، ولم تقو حركة الترجمة وتزدهر وتنطلق بقوة إلا في عهد الدولة العباسية . . ذلك أن علوم الأوائل كانت مهجورة في عصر الأمويين ، ولما ظهر آل عباس كان أول من اهتم منهم بالعلوم الخليفة الثاني « أبو جعفر المنصور » « 1 » ، وكان مقدما في علم الفلسفة ، محبا لأهلها ولما أفضت الخلافة إلى الخليفة السابع « عبد اللّه المأمون » « 2 » تمم ما بدأه جده ، فأقبل على طلب العلم من مواضعه ، فكاتب ملوك الروم وسألهم ما لديهم من كتب الفلسفة ، فبعثوا إليه منها بما حضرهم من كتب أفلاطون وأرسطو ، وبقراط ، وجالينوس وأقليدس ، وبطليموس ، وغيرهم ، وأحضر لهم مهرة المترجمين فترجموها له « 3 » . والحقيقة أن العرب شعروا بعد الفتح الإسلامي الكبير لدولة المشرق والمغرب بحاجتهم الماسة إلى اقتباس العلوم والآداب والتعرف على فكر وحضارات الأمم السابقة ليستفيدوا من علومهم الطبيعية والفلكية والطبية والكيميائية والرياضية وكل ما يفيدهم في حياتهم اليومية من ضرورة معرفة مواقيت الصلاة وبداية الأشهر القمرية للصوم والحج ، فاهتموا

--> ( 1 ) أبو جعفر المنصور ثاني خلفاء بنى العباس حيث حكم إحدى وعشرين سنة من سنة ( 754 م - 775 م ) حافلة بالحروب والمؤامرات السياسية وكان معروفا بدهائه وسياسته . وهو الذي أسس مدينة بغداد عاصمة الخلافة العباسية حتى سقطت ( 1258 م ) . ( 2 ) أبو العباس عبد اللّه المأمون بن الرشيد تولى الخلافة العباسية من 814 م - 833 م وهو من أبرز خلفاء بنى العباس ، وكان محبا للعلم والعلماء ومال إلى فكر المعتزلة فقال بخلق القرآن وحارب مخالفى المعتزلة ، وقد بقي الاعتزال مذهب الدولة الرسمي حتى عهد الخليفة المتوكل الذي حكم في الفترة ما بين عام 847 م ، وعام 861 م . ( 3 ) حاجى خليفة : كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون : مطبعة المثنى بغداد 1 / 22 .